وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ إن أبرز ما يميز التاريخ أنه لا يحسم الأمور فورًا. تنتهي الحروب، ويعود المنتصرون إلى قصورهم، لكن التاريخ ينتظر. يراقب لسنوات وعقود، بل وأحيانًا لقرون، ليرى أي الأفكار، بعد أن تصقلها نيران الزمن، تزداد تألقًا. كربلاء مثال على ذلك. ما حدث في الأشهر العشرة الحرمين كان نهاية حرب، لكن كل يوم تلاها كان بداية المعنى الحقيقي لتلك الحرب.
وفقًا للروايات التاريخية، خلال أيام الرحلة هذه، كانت قافلة أهل البيت تتقدم في رحلتها. تذكر المصادر التاريخية المختلفة مسارات وتواريخ ومحطات متباينة، لذا لا يمكن اعتبار أي رواية واحدة الحقيقة المطلقة. مع ذلك، ثمة حقيقة لا جدال فيها: لم تكن هذه الرحلة مجرد رحلة أسرى، بل كانت رحلة حقيقة، يمكن للسلطة قمعها، لكنها لا تستطيع محوها.
أنا أسير مع تلك القافلة بنفسي. الرمال لا تزال هي نفسها، والسماء هي نفسها، والريح اللاهبة هي نفسها، لكن شيئًا ما في داخلي بدأ يتغير. في السابق، كنت أنظر إلى هذه الرحلة من منظور مؤلم، أما اليوم فقد بدأت أنظر إليها من منظور تاريخي. أعتقد أن هذا الدرب ليس مجرد درب صحراوي، بل هو درب يمر عبر أعماق النفس البشرية.
ينظر الناس الواقفون على جانبي الطريق إلى تلك القافلة بمشاعر متباينة. فمنهم من يرتسم الخوف في عينيه، ومنهم من يشفق، ومنهم من يشعر بالندم. في التاريخ، قلّما تتاح الفرصة للمشاهدين أن يقفوا أمام ضمائرهم. في ذلك اليوم، لم تكن هناك حاجة لمحكمة، فقد أصبح ضمير الإنسان هو قاضيه.
أتأمل في السيدة زينب (عليها السلام). فبعد كربلاء، لم تكتفِ بتحمل حزن أهلها، بل حملت أيضًا ذكرى الحق على عاتقها. لولا بقاء الذكرى حية، لكانت كربلاء مجرد حرب منسية في التاريخ. لقد أبقى صبرها الذكرى حية، وأبقى الذكرى العدل.
إن وجود الإمام زين العابدين (عليه السلام) يجعلني أدرك أن الله أحيانًا يتقدم بالتاريخ لا من خلال من يحملون السيوف، بل من خلال من يدعون. يكشف الصوت الروحي الذي يتجلى في كتابه "صحيفة السجادية" لاحقًا عن جذور أيام التوبة الصعبة تلك. لم يُضعف الألم إيمانه، بل زاده عمقًا.
أتذكر الآية من الأوبانيشاد: "أساتو ما سادغاما، تاماسو ما جيوتيرغاما، مريتيورما أمريتام غامايا". هذه ليست مجرد دعاء، بل هي تطلعات الحضارة الإنسانية جمعاء. وتقول كربلاء أيضًا: "انتقل من الباطل إلى الحق، انتقل من الخوف إلى الشجاعة، انتقل من الخوف من الموت إلى القيم الخالدة".
تعليقك